ظهور اللغة العاميّة وإنتقالها إلى الكتب

ظهور اللغة العاميّة وإنتقالها إلى الكتب

مع إنتشار الفِرَق التوعَوية التي أصبحت تشجع الأفراد على القراءة وتقنِعهم عن طريق غـرس فكرة أنهُ لا يمكن لأمةٍ أنّ ترتقي وتتقدم فكرياً وثقافياً دون القراءة وتنويع مصادر الإطلاع ، ذلك ومن أهم ما يمكن أنّ يحظى بجانب واسع من إهتمامنا الثقافي هو اللغة العربية.

نُلاحظ في الآونة الأخيرة ظهور بعض من الكتّاب المبتدئين ، يتجهون إلى الكتابة باللغة العاميّة ، في المقابل تُصدَّر هذه الكتب من دور النشر وتُباع في المكتبات لتلقى إقبال كبير من الفئة المراهقة أو محدودة الثقافة ، ولو تأملنا خزينة هؤلاء القرّاء لما وجدنا سوى الأفكار المبتذلة والمصطلحات المستهلكة الركيكة أبعد ما تكون عن الثقافة الأصيلة ، فالقراءة في مفهومها الحقيقي توسيعٌ للمدارك وتنمية وإثراء لغوي ومعرفي ؛ و دخول اللغة العاميّة على رف الكتب الأكثر مبيعاً ما هيّ إلا نقطة سوداء في تاريخ الكتابة العربية.

كما نعلم أنّ العلم حقٌ خالص لجميع الشعوب والأجيال وليس يُقدَّم إلى فئة بعينها لكي ينحصِر في دائرة مجتمعية محدودة يحادثهم بلهجتهم الخاصةِ ، ولا يخرج عن حدودها !
فاللغة العربية هوية وعامل مشترك بين العرب أجمع ، و إنّا نلمح أطراف مشكلة فعليّة عندما نُراجع أنفسنا ونجد أننا نجهل قَدر لا يُستهان به من المصطلحات البليغة والفصيحة على حدٍ سواء.

أما بالنسبة لإختلاف اللهجات التي أُستحدِثت فيما بعد فأود أن الفت إليها الإنتباه لمعرفة أسباب هذه الظاهرة السلبية فقد كانت نتيجةً لعدة عوامل منها :
-الهجرة
-الإستعمار الغربي
-بداية مع عصر الضعف من أيام دولة المماليك
-اختلاط العجم و العرب بالمعاشرة و المناكحة فتولّـد اللحن
-عدم الإستشهاد بكلام العرب الحضريين في العصر العباسي

ما يحدث اليوم بحق اللغة العربية والكتابة الأدبية انما هو اشبه ما يكون بـ”آفة العصر” و أذكر هنا بيت لحافظ إبراهيم عندما رثى اللغة العربية لإهمال أهلها لها قائلاً 🙁 وسِعتُ كتابَ اللهِ لفظاً وغايةً ،، و ما ضِقتُ عن آيٍ بهِ وَعِظاتِ ،، فكيف أَضيقُ اليومَ عن وصفِ آلةٍ ،، و تَنسيقِ أسماءٍ لمُخترعَاتِ ). و يُذكر أن عمر رضي الله عنه مر على قوم يسيئون الرمي فقرعهم فقالوا : إنّا قوم متعلمين فأعرض مغضبا و قال : والله لخطؤكم في لسانكم أشد عليّ من خطؤكم في رميكم.
إن ما يُنتقَد هنا ليس استخدام العامية في حياتنا اليومية بحد ذاته ، بل هو إنتقاد نقلها بالكتابة إلى الكتب ، فمهما كَثُرت الكلمات والعبارات في وقتنا الحالي فهي لم و لن تفوق دقة و صحة الفصحى في التعبير و إيصال المعلومة.

بناءً على ما تقدم أرى أنه يتوجب على وزارة الثقافة والجهات المختصة :
أولاً / تحديد معايير وشروط للإصدار لمنع حدوث أيٍ من تلك المشكلات ، و من جهة أخرى تفرض على دور النشر ألا يكون همها الوحيد هو المادة ، فما تفعله من نُبُل يبني العقول و يسمَى بالنفوس عظيم إلى حد لا يمكن إغفاله إذا لم تتخللها تلك العيوب الآنف ذكرها.
ثانياً / أقترح أن يتم إعتماد اختبار و ليكن بمثابة اختبار مبدئي ، الهدف منه أن يخضع له الكاتب أو المتقدّم لإصدار كتاب إن صح التعبير ، يتضمن الأفكار الأساسية التي تتعلق بإصدار الكتاب ، و ماهي الرسالة التي يود أن يوصلها الكاتب للقارئ ، و إشتراط أن تكون اللغة التي ستُكتب فصحى بحتة ، بحيث تُمنَع طباعة كتاب كائناً ما كان مضمونه بلهجة عامية أو غير رصينة.

و المجال التوسعي و الإبداعي فيما يخص الكتب هو أن تحظى لغتنا العريقة بإهتمام كبير ، ليتسنّى للأجيال الحالية و المستقبلية الإبحار في لذة اللغة و روعتها.
قبل الختام أود توضيح الهدف من وراء النقد بأنه يكمُن في تعزيز اللغة العربية الفصحى و لفت الإنتباه بالقدر الذي يوفيها حقها.

إترك تعليقك