المجتمع العربي ما بين النظام الأبوي و تمكين المرأة

المجتمع العربي ما بين النظام الأبوي و تمكين المرأة

بعد عقود طويلة عاشتها النساء متغيّبات عن المجتمع ، نصفهن بإرادتهِن و النصف الآخر كانت الظروف المحيطة ضدهن ، نشاهد التطورات الأخيرة الحاصلة في مجتمعاتنا العربية على وجه العموم و المجتمع “السعودي” على وجه الخصوص ، من محاولات ناجحة و جداً في تمكين المرأة و جعلها مواطناً من الدرجة الأولى و كما قيل : على حدٍ سواء.
نحن نعيش في مجتمع كبير لدرجة أنّ الثقافة تكاد تكون متعددة و المستويات التعليمية بين الأفراد متفاوتة أيضاً و إن أعتبرنا الغالبية العظمى على حد عالٍ من العلم و الوعي.

لنبدأ بتبسيط مفهوم التطور من الناحية الإجتماعية و هو لا يمكن أن يتم إلا على مرحلتين :
الأولى : التخطيط
والثانية : التنفيذ الفعلي
بمجرد أنّ تمتلك الدولة سياسة قوية ، سيمكّنها ذلك من المضي قدماً على نهج هاتين الخطوتين المهمتين لبناء المجتمع أو لتعديل أُسس البنية التحتية له.

منذ نشأة النظام الأبوي و المرأة تعيش شبه حياة ، يرفض المجتمع الذكوري فكرة جعلها متساوية بمنزلة الذكر و نتج عن ذلك أنظمة فكرية و أعراف مجتمعية جعلت الذكر و الأنثى يعتـنـقونها ، و نُسبَت بذلك إلى الدين و تم إنتقاء أدلة من مصادرها التشريعية و بدأ سرد بعض المغفلون من تجّار الدين في تفسيرها و تحويلها من معنى إلى معنى آخر تماماً.
و عندما تُسلب الحرية في إبداء الرأي أو في طرح التساؤولات و محاولة النقد و الإعتراض و تنفذ أمام الأنثى العربية التي طالما أعتبروها رذيلة بالفطرة جميع الطرق ، فهي هنا أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن تخضع لكي تعيش بأمان مزيّف وسط مجتمع ذكوري أو أن تختار إنهاء جحيمها لتنتقل إلى جحيم آخر في العالم الآخر.
اِنشغلوا في نصف المجتمع الذي يحاولون جاهدين أن يجعلوه ربعاً أو ربما صِفراً ، و أعتقد أنهم نجحوا في ذلك خلال حقبة زمنية معينة ، نراها الآن تزول عنّا ليأتينا ضوء الشمس من كل مكان ، كغمامة سوداء و هاهي تُزاح.

ادى النظام الأبوي إلى خلط المفاهيم والأعراف بالدين مما نتج عن ذلك إيديولوجية شرق أوسطية ، سيطرت على المجتمعات العربية و كانت السبب الرئيسي للتخلف الإجتماعي.‏⁧
و كل من يخرج عنها أصبح بهذه الفعلة الشنيعة خارجاً من الملّة منبوذاً من الجميع إلا من رحم ربي.
إن التخلف الذي نجابهه هو من نوع آخر ، انه يكمن في أعماق الحضارة الأبوية و يسري في داخل بنية المجتمع و الفرد و ينتقل من جيل الى جيل كالمرض العضال.[1]

يقوم حجر الزاوية في النظام الأبوي “المستحدث” على استعباد المرأة ، من هنا كان العداء العميق و المستمر في لا وعي هذا المجتمع تجاهها و نفس وجودها كإنسان و الوقوف بوجه كل محاولة لتحريرها.[2] كيف لا ؟ و قد تم حصر مفهوم الحرية في العُري و الفسق ، دون أخذ الإستقلالية الفكرية و المادية بعين الإعتبار ، كأن الانثى أصبحت بذلك مصدر الفساد البشري و بمجرد تحررها ستثور هائجة.
من هنا كانت العقبة المركزية في وجه التغيير الديموقراطي الصحيح في هذا المجتمع.[3]

هناك صورة يعيش فيها الرجال و النساء على خشبة مسرح ، يؤدون عليها أدوارهم الموكلة إليهم المتساوية في الأهمية ، لا أحد منهم يُسهم أكثر أو أقل في العمل ككل ، لا أحد هامشيّ أو يمكن الإستغناء عنه ، و لكن أثاث المسرح متصوّر و مدهون و معرّف من قِبل الرجال ، الّف الرجال المسرحية أخرجوا العرض و أوّلوا معاني الفعل ، لقد أوكلوا إلى أنفسهم الأجزاء الأكثر أهمية و بطولية ، مانحين النساء أدوار ثانوية.[4]

المسألة لا تنحصر فقط على حرب بين رجل و امرأة. فالتنازع المبدئي الذي يقوم على اساس البحث في المبادئ الإجتماعية بغض النظر عن الأشخاص سبب للتطور الاجتماعي[5] و مادون ذلك فهو رجعي.

إن شعور المرأة بالظلم هو أعظم من الظلم ذاته ، فالثقافة الشرق أوسطية المبنية على النظام الأبوي جعلت العقل الأنثوي في سُبات ، فأصبحت تعيش لإرضاء الرجل و خدمته و هذه أقصى غاياتها.
النساء لم تثرن في مختلف العصور التي مرت بهن ، فهن لم يثرن من جراء شعورهن بالظلم ؛ تعليل ذلك أنهن نشأن على هذا فلم يكن في منظورهن ظلماً من الاساس ، أما الأن إنما يثُرنَ من جراء شعورهن بالظلم ، و المسألة المتعلقة بالظلم نسبية لا مطلقة كما وصفها الدكتور علي الوردي ، لكنها ازدادت مؤخراً.
نشهد حالياً تدهور المجتمع الأبوي و معه تفسّخ البنى السياسية و الإقتصادية التي تشكّل قاعدته ، و ما الأصولية في حقيقتها إلا وريث شرعي للواقع الأبوي الراهن.[6]
كما أن ثقافة المرأة هي الأرضية التي تقف عليها النساء في مقاومتهن للهيمنة الذكورية ، و لن تستطيع النساء تصوّر مستقبل بديل إلا اذا اكتشفن جذورهن و ماضيهن و تاريخهن و أقررن به. و الرؤية الجديدة تتطلب وضع النساء في المركز و العمل المنتج للفكر في العالم ، إنهن يطالبن كما فعل الرجال في عصر النهضة بالحق بالتعريف و الحق بإتخاذ القرار.[7]

أنني ضد الحركة النسوية المتطرفة ، لكني في ذات الوقت أرفض إقصاء المرأة و تهميشها و حرمانها ، و يؤكد بورديو أن المدخل الحقيقي للحد من الهيمنة الذكورية هو “الثورة المعرفية” التي تستوعب مختلف تأثيراتها من خلال تواطؤ موضوعي بين البنيات المستدمجة لدى النساء و الرجال ككل ، و بين المؤسسات التي تولد ذلك النظام بوصفه جزءاً من النظام الإجتماعي ، لكنها ثورة تستوعب أكثر لأن تحقيقها يقوم على مبدأ التدرج و التراكم.

مصادر :
(1,2,3,6): شرابي، هشام. النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992 .
(4,7): ليرنر، غ. (2013). نشأة النظام الأبوي ،(ترجمة أسامة إسبر). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.(العمل الأصلي نشر في عام 1920).
(5): الوردي، علي. (1994).مهزلة العقل البشري مايل (ط. 2). لندن: دار كوفان.

إترك تعليقك